كلمة الكاتب العراقي صموئيل شمعون
رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية
دورة 2007/ 2008
السيدات والسادة
مساء الخير
يشرفني أن أكون رئيسا للجنة تحكيم "الجائزة العالمية للرواية العربية" في دورتها الأولى، التي تنطلق هذه السنة، وأن أكون محاطاً بالأعضاء: محمد برادة، محمد بنيس، فيصل دراج، بول ستاركي وغالية قباني. وهم يتمتعون بقيمة عالية من الخبرة والكفاءة والنزاهة.
والآن، اسمحوا لي ان اقول كلمةً في البداية.
في حزيران الماضي، كنت في نيويورك بدعوة من صديق فلسطيني، لتمضية بضعة أسابيع من أجل كتابة روايتي الثانية، او لنقل كتابي الثاني,
كان الوقت صباحا حين ذهبت الى مقهى قرب اليونيون سكواير لتفقد بريدي الالكتروني. هناك وجدت رسالة من لندن، يسألني صاحبها: ما رأيك في أن تكون رئيسا للجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية؟ وجاء في السطر الثاني: "أنت شخص مناسب، أرجو ان توافق".
"أنا رئيس لجنة تحكيم جائزة عالمية؟!" سألت نفسي بدهشة. واو.
ذهبت وتمددت على مقعد في حديقة اليونيون سكواير. وأنا حين أتمدد على مقعد في حديقة عامة، لا أخفيكم، ايتها السيدات والسادة، أنني أتذكر ايام تشردي في باريس في سنوات الثمانينات.
على مقعد في حديقة اليونيون سكواير، سألت نفسي ثانية "هل أصلح رئيسا للجنة تحكيم جائزة عالمية.."؟
ثم شيئا فشيئا رحت أخاطب نفسي:
إنك تقرأ ما بين 40 و 50 رواية كل سنة، بحكم عملك في مجلة بانيبال المختصة في ترجمة الادب العربي الى الانكليزية،
بدأتَ الكتابة والنشر منذ ثلاثين سنة، ومنذ سنتين كتبت رواية حقق نجاحا كبيرا في جميع الدول العربية،
ترتبط بصداقات حقيقية مع أغلب الكتاب والشعراء العرب،
تشرف على واحدة من أهم المواقع الثقافية الالكترونية التي تنشر نصوص الكتاب الشابات والشبان من العالم العربي وفي المهجر،
وإنك مسحور بالأدبِ ومهووس بترويج الأدب العربي
ثم ماذا يعني أن تكون رئيسا للجنة تحكيم جائزة أدبية؟
أليس عمل رئيس اللجنة محصورا في تنسيق أشغال اعضاء اللجنة، وضبط اوقات الاجتماعات وانهاء الاشغال في الوقت المطلوب؟
ذهبتُ الى المقهى وكتبت رسالة الكترونية: نعم، إنه لشرف كبير أن أكون رئيسا للجنة التحكيم في هذه الجائزة، التي، ستلعب، وأنا واثق من ذلك، دورا كبيرا في التعريف بالرواية العربية والاحتفاء بها في العالم.
أرسلت الرسالةَ ونسيتُ شيئين:
الأول، أنني لست أكاديميا،
الثاني، أنني أحب لبس الأحذية الرياضية.
تحية لمؤسسة الامارات،
تحية للبوكر البريطانية
تحية للامانة العامة لثقتها بي
تحية للزملاء في لجنة التحكيم وأرجو ان يغفروا لي سلبياتي.
تحية لقلب الجائزة النابض، جمانة حداد
*
كلمة لجنة التحكيم
عن الروايات المرشحة للجائزة العالمية للرواية العربية
الدورة الاولى سنة 2008
تقدم الروايات، التي ترشحت للجائزة العالمية للرواية العربية، في دورتها الاولى لسنة 2008 صورة شاملة عن اتجاهات الكتابة الروائية في العالم العربي، تضمنت موضوعات متعددة سواء في ما يتعلق بواقع المجتمعات العربية الراهنة أو بأزمنة تاريخية ماضية ما زالت تلقي بظلالها على الحاضر. ويدل العدد الكبير من الروايات المشاركة على المدى المتطور الذي بلغته الممارسة الروائية على يد كتاب من أجيال مختلفة جمعوا بين سعة الثقافة وعمق الحساسية والتجربة، وعلى ترسخ الكتابة الروائية في عموم العالم العربي. انها مؤشرات حقيقية تبين أن الرواية أصبحت جنساً أدبياً واضح المعالم يحتل موقعا متميزا في الأدب العربي الحديث
لاحظت لجنة التحكيم أن تركيب الأعمال الروائية، من حيث لغتها وعناصرها، متعددة الاشكال والاساليب. كما أن أنماط التركيب تعددت وفقا لوعي الروائيين وتعاملهم مع المادة اللغوية وتمكنهم من استخدام التقنيات والطرائق الكتابية.
ويتفق التجديد الواضح في اشكال الكتابة الروائية مع المتغيرات العميقة التي عاشها العالم العربي منذ الربع الأخير من القرن الماضي حتى اليوم. وقد انعكس ذلك في كتابةٍ تتضمن الخبرة الروائية السابقة وتجديدها وتجلى ذلك في اشكال مختلفة: المزج بين الرواية والسيرة الذاتية، العودة الى التاريخ في اطواره المختلفة، تاكيد الذاتية الانسانية، تعميق اشكالية الفرد المغترب، الفانطازيا والجنوح الى الكوميديا السوداء والواقعية العنيفة. وترافق هذا في بعض الاحيان مع مزج بين المتخيل والوثائق التاريخية والاجتماعية.
كل هذا يعبر عن انتقال نوعي للرواية العربية من الاشكال التي كانت سائدة في فترة ماضية الى أشكال فنية تغني قراءة الواقع العربي الراهن في تعقيداته المختلفة.
تضاف إلى هذه الخاصية التقنية، نوعية التجربة الإنسانية التي هي محور الأعمال الروائية. فنوعية الحياة، الفردية أو الجماعية، التي تعرضها الأعمال الروائية، غنية من حيث الشخوص والموضوعات والفضاءات والمواقف والقيم، ضمن رصد شامل للحالات الإنسانية والوقائع والمعضلات التي تكشف عن حقيقة المجتمع العربي في عصره الحديث أو ما كان لهذا المجتمع من علاقات اجتماعية وحضارية في أزمنة ماضية.
وقد توزعت عوالم هذه الأعمال على محور الحرية بمعناها الشمولي، حيث تستبد المعوقات السياسية للحرية بمجتمعات تتحكم فيها سلطات لا تحترم إرادة الإنسان، وحيث تصطدم حرية التعبير أو حرية تشكيل مؤسسات وتنظيمات مع السلطة القائمة. وهناك محور التعصب الديني الذي عالجته روايات كثيرة رصدت انتقال الدين من عقيدة موروثة بقيمها وتقاليدها وعاداتها الشعبية إلى آيديولوجيا تحرض على العنف وتدعو الى التعصب في المجتمعات العربية. وثمة محور الجنس الذي تكشف الروايات عن صلته بالمحورين السالفين: الحرية والدين. فالحياة الجنسية مطروحة في أغلب الأعمال من زوايا مختلفة، ومن وجهتي نظر كل من المرأة والرجل. يبين هذا المحور أن الرواية العربية انتقلت بقضية الجنس من الخفاء إلى التعبير الصريح عن أوضاعه المعقدة، في زمن التحولات التي يعيشها المجتمع كما يعيشها الفرد بكل ما يعنيه العيش من رغبات وممنوعات وتمزقات واستيهامات، ثم هناك محور العولمة التي تشمل كل البلدان العربية. في هذا المحور تكشف الأعمال الروائية عن خصائص مجتمع مندفع الى قيم الاستهلاك والربح السريع والميل إلى الانقسام والتفتت مقابل الوحدة التي كانت عنوان مشروع مجتمعي للدولة والمجتمع في المرحلة السابقة.
كما لاحظ أعضاء لجنة التحكيم ان ثمة خللا واضحا في عدد كبير من الروايات المرشحة من ناحية سلامة اللغة، مع غياب كامل لدور النشر العربية في تحمل مسؤولية تصحيح الأعمال وتصويب الأخطاء اللغوية التي نجدها للاسف الشديد غالبة على الكثير من النصوص المرشحة.
*
كلمة عن أشغال اللجنة
واعلان الجائزة
ابتدأ عمل لجنة التحكيم منذ شهر تموز 2007، بقراءة الأعمال الروائية المرشحة. وقد كانت غايتُنا أن نجعل عمَلَنا في مستوى هذه الجائزة العالمية الهادفة الى الاحتفاء بالرواية والروائيين في العالم العربي.
مرت اجتماعات اللجنة بمرحلتين:
الاولى في لندن في تاريخ.. حيث اجتمعت اللجنة بكامل أعضائها في جلستين مغلقتين. وتوصلت الى اختيار قائمة طويلة من ست عشرة رواية هي التالية:
أرض اليمبوس، الياس فركوح، دار أزمنة والمؤسسة العربية للدراسات
فيلسوف الكرنتينة، وجدي الأهدل، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء
كأنها نائمة، الياس خوري، دار الاداب، بيروت
بمناسبة الحياة، ياسر عبد الحافظ، دار ميريت، القاهرة
واحة الغروب، بهاء طاهر، دار الشروق، القاهرة
أنتعل الغبار وأمشي، مي منسى، دار رياض الريس، بيروت
مطر حزيران، جبور الدويهي، دار النهار، بيروت
أول النهار، سعد القرش، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة
دنيا، علوية صبح، دار الاداب، بيروت
قابيل، أين اخوك هابيل؟ ابراهيم الكوني، المؤسسة العربية للدراسات ، عمان- بيروت
مديح الكراهية، خالد خليفة، أميسا للنشر، دمشق
تغريبة البجعة، مكاوي سعيد، الدار للنشر والتوزيع، القاهرة
عتبات البهجة، ابراهيم عبد المجيد، دار الشروق، القاهرة
فاصل للدهشة، محمد الفخراني، الدار للنشر والتوزيع، القاهرة
تبكي الأرض، يضحك زحل، عبد العزيز الفارسي، دار الانتشار العربي، بيروت
راوي قرطبة، عبد الجبار عدوان، دار الفارابي، بيروت
ثم عقدت اللجنة في التاريخ ذاته فين لندن جلسةَ ثانية امتدت حتى وقت متأخر من الليل. وتوصلت الى اختيار القائمة القصيرة المكونة من ست روايات تم الاعلان عنها في حينه، وهي التالية:
واحة الغروب بهاء طاهر
انتعل الغبار وامشي مي منسى
أرض اليمبوس الياس فركوح
مديح الكراهية خالد خليفة
مطر حزيران جبور الدويهي
تغريدة البجعة مكاوي سعيد
وقامت لجنة التحكيم في مرحلة ثانية، بعقد اجتماعين في أبو ظبي في التاسع والعاشر من مارس الجاري. خصص الاجتماع الاول لفتح نقاش موسع وتبادل الاراء بكل حرية ونزاهة عن جميع روايات القائمة القصيرة. وكان هذا الاجتماع فرصةً ليعبر اعضاء اللجنة عن وجهات نظرهم في الأعمال مع الحرص الشديد على تقديم مبررات الاختيارات الشخصية وعرض جماليات الكتابة الروائية.
ثم جاء الاجتماع الاخير الذي عقد ظهر اليوم، لاختيار الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية. واتسم هذا الاجتماع بالروح الديمقراطية في الدفاع الاخير لكل عضو من الاعضاء عن العمل الذي يراه مستحقا لنيل الجائزة. وفور الانتهاء من الاستماع الى جميع وجهات النظر، بكل أريحية واحترام متبادل، أنتقل اعضاء لجنة التحكيم الى التصويت على جميع أعمال القائمة القصرة، حسب نظامِ التصويت المتبع في هذه الجائزة. وبعد فرز الأصوات بحضور المدير الأداري للجائزة، كانت الرواية الفائزة هي "واحة الغروب" للكاتب المصري بهاء طاهر.
وجاء في قرار لجنة التحكيم:
عالج بهاء طاهر في "واحة الغروب" قضية الحقيقة الانسانية التي ستظل ناقصة على الدوام، مستعملا أدوات فنية خصيبة، منتهيا الى قول روائي، يدافع عن الحوار والاعتراف المتبادل، ويرفض التعصب والافكار المغلقة. وهذا التصور الانساني الرحيب، هو الذي أملى عليه المزج بين الحاضر القريب والماضي البعيد، ودفعه الى حوار متسامح بين الشرق والغرب ينكر الكراهية والاحكام الجاهزة.
صاغ بهاء طاهر عالما انسانيا فسيحا، محولا المكان الضيق الى أمكنة واسعة، ومستولدا من الزمن المحدد أزمنة متوالدة غير مجدودة، ترتد الى الماضي وتقرأ الحاضر وتتوجه الى مستقبل بشري محتمل، يقول بالسلام وينهي عن الحرب.
وصل الروائي الى اسئلته الانسانية وهو يتأمل واقعا عربيا يحتفل بالماضي أكثر مما يحتفي بالمستقبل ويقرر الاجابات قبل أن يصوغ الاسئلة.
بنى بهاء طاهر عمله معتمدا عناصر فنية متكاملة، ومبرهنا على اقتصاد لغوي مدهش ومتكئا أيضا على وعي ثقافي رهيف.
من ثم جاءت "واحة الغروب" رواية متميزة في شكلها ودلالتها تعزز الكتابة الروائية العربية المتنامية باستمرار عبر التجريب واقتحام الموضوعات الشائكة.
ويسعدني في الختام أن أعلن أن جميع أعضاء لجنة التحكيم أعربوا عن افتخارهم بطريقة العمل التي سارت عليها أشغال اللجنة ورضاهم التام عن النتيجة النهائية لهذه الدورة.
هنيئا لبهاء طاهر، وهنيئا لنا بفوز روايتِهِ "واحة الغروب".
وشكرا لكم
*
ملخص عن الرواية الفائزة:
واحة الغروب، بهاء طاهر
تنسج هذه الرواية فضاءَها من عناصر تاريخية تتصل بواحة سيوة والآثار الفرعونية وتاريخ الإسكندر في تجلياته الأسطورية ؛ وصولا إلى مصر تحت الاحتلال الأنجليزي أواخر القرن 19. ضمن هذا الفضاء المُـكتنز للدلالات والرموز، تُـطالعنا قصة حب معقد ، محفوف بالقلق وفُـقدان الهوية ، عبر شخصيتين إشكاليتيْن هما محمود المأمور الذي أرسِل إلى سيوة لجمع الضرائب من سكان الواحة وضبط الأمن؛ وزوجته كاثرين الإيرلندية المشغوفة بالآثار والتنقيب عن قبر الإسكندر، غير مبالية بامتعاض السيويين من سلوكها المقتحِـم وفضولها .
ومن خلال سرد متوازٍ ، يتناوب عليه كل من محمود وكاثرين ،مع إضاءات على لسان الشيخيْـن يحي وصابر ، تتكشّف ملامح الشخصية الإشكالية لمحمود الذي كان في مطلع شبابه يتعاطف مع أحمد عرابي وثورته ، لكنه تراجع في اللحظة الحاسمة مثلما تردّد في الاستجابة إلى حب نعمة التي ظلتْ تراوده في أحلامه على رغم زواجه من كاثرين التي أدخلته إلى عالم مغاير لثقافته وقيمه . وخلال مزاولته لعمله في سيوة ، سيتعرف محمود على جوانب أخرى من التقاليد العتيقة والاحتكام إلى القُـوّى الغيبية ، والسلوك اللامنطقي...ومن ثم سيجد نفسه متورّطا في حب " فيونا " أخت زوجته المشدودة إلى عوالم الأسطورة والحدس الروحاني . إلى جانب هذه الشخوص الإشكالية الحاملة لأسئلة الوجود والهوية والعلاقة بالتاريخ ، نجد شخصيات نموذجية مثل الشيْخيْـن يحي وصابر ، والأوزباشي وصفي الطموح، والجندي إبراهيم المتفاني ،ومليكة الجميلة المنبوذة ...
وتضطّلع الحكايات الفرعية ومنظورات السرد المتقاطعة بتحقيق حوارية عميقة بين العناصر التاريخية والنماذج البشرية التي تعيش مطلع القرن العشرين في مصر ،وهي تواجه أسئلة العلاقة مع الماضي والحاضر ،مع الذات والآخر ،مع التاريخ والمستقبل .
من هذا المنظور، تبدو واحة سيوة بأُناسها وعاداتها وقيمها ، عالما ينتمي إلى الماضي ومنطقه ، بينما تمثل السلطة والمأمور وكاثرين منطقا مختلفا ،إلا أنه لا يقدر على مُـجاوزة المأزق. لكن النهاية التي تؤول إليها الرواية تفتح أفقا للخروج من الانحصار والجمود ، وذلك عندما يفجر محمود المعبد وهو يردّد: " يجب ألا يبقى للمعبد أثر . يجب أن ننتهي من كل قصص الأجداد ليُـفيق الأحفاد من أوهام العظمة والعزاء الكاذب ..."
على هذا النحو، تغدو رواية " واحة الغروب " مُـنغرسة عميقا في أسئلة حاضر مصر التي تتلمّس الطريق إلى التحرّر من " عقدة " الماضي وسطـْـوته .
|