(النص العربي لمقالة ترجمتها نور الأسعد عن الأصل الإنكليزي الذي نشر في صحيفة The National الإماراتية بأبو ظبي بتاريخ 13 ديسمبر 2008)
لطالما فاض علينا الأدب العربي، سواءٌ بآثاره الكلاسيكية أم الشعبية، نثراً سردياً. فإذا ما عاد المرء إلى العصور الأقدم عهداً، لاستحضر من هذا النوع "أيام العرب" (وهي الوقعات والغزوات والمعارك التي دارت بين العرب في العصر الجاهلي)؛ وكليلة ودمنة، أو خرافات الحيوانات التي نقلها إلينا ابن المقفّع في القرن الثامن عن البهلوية؛ من دون أن ننسى المقامات، أو مغامرات الأبطال الصعاليك، ومن كتّابها الهمذاني والحريري.
لكن لعلّ أول ما يمرّ في البال، إذا توغّلنا في الموروث الشعبي، هي روائع ألف ليلة وليلة المنقطعة النظير؛ فضلاً عن أعمال السيرة التي شاعت في القرون الوسطى، ونعني بها الملاحم النثرية التي تتغنى بمغامرات أبطالٍ ذاع صيتهم. وقد دأب أمهر الرواة، حتى العقود الأولى من القرن العشرين، على سرد هذه السِيَر في المقاهي، أمام جمهورٍمشغوف من القرويّين وسكّان المدن على السواء، حتى وصل المذياع، ومن ثمّ السينما والتلفزيون، لتضع جميعها حداً لفنّ الترفيه الشعبي هذا.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الأنواع كلها تشكّل قوالب أدبية مختلفة كلّ الاختلاف، تطوّرت على امتداد القرون. فبعضها يمثّل آثاراً كلاسيكيةً بليغةً، بينما يحمل بعضها الآخر لواء الأدب الشعبي الذي كانت الأجيال تتناقله شفهياً. ومنها أيضاً ما دُوّن بقلم أدباء معروفين، فيما وصلتنا نصوصٌ أخرى مجهولة المصدر، اتّخذت شكلها النهائي على امتداد أجيالٍ عدة، كما هي الحال بالنسبة لألف ليلة وليلة.
غير أنّ القارىء لا يملك إلا أن يلاحظ عنصراً مشتركاً واحداً بين هذه الآثار جميعاً، نعني بذلك: الشكل القائم على الربط بين عدد من القصص شبه المستقلة بعضها عن البعض. فمن هذه الأعمال ما يجري الربط بين قصصه المتفرقة بفضل قصة إطارية تلمّ أطرافه، على غرار الحكايات المجازية في كليلة ودمنة لابن المقفع، أو حكاية شهريار وشهرزاد التي تندرج في إطارها الحكايات العديدة لألف ليلة وليلة. ومنها، مثل المقامات، ما يضمّ قصصا لا يربط بينها إلا كونها مغامراتٍ متفرقة يقوم بها نفس البطل.
من هذا المنطلق، لا شكّ في أنّ أياً من هذه الأشكال العربية السردية لا يتوافق مع النمط الغربي للحبكة، كما عرّفه أرسطو في كتابه "فنّ الشعر"، هذا النمط الذي أصبح متعارفاً عليه في الرواية الغربية منذ نشأتها في القرن الثامن عشر.
في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أي خلال العهد الأوّل للرواية العربية الحديثة، تلك التي طال انتظارها لما لا يقل عن مائتي عام بعد نشأة نظيرتها الأوروبية، سُجّلت عدّة محاولاتٍ لإنعاش أحد الأشكال السردية المتأصّلة في اللغة العربية منذ القدم، أي المقامة، وتعديله بحيث يناسب أساليب الكتابة الحديثة. غير أنّ هذه المحاولات سرعان ما أثبتت أنها غير مجارية لعصرها، فخبا نجمها على حساب تحرّكاتٍ أخرى، رمت إلى تطوير كتابة الرواية العربية بالتوافق مع مسار الرواية الأوروبية.
من هنا، عندما بدأ اسم نجيب محفوظ يلمع في أواخر الثلاثينات، وهو الروائي المصري البارز وحائز جائزة نوبل، كانت الرواية، كنوعٍ أدبي مجبولٍ ضمن قالبٍ غربي الطابع، قد أصبحت راسخةً في الكتابة العربية الإبداعية منذ ما يزيد عن ستين عاماً؛ أي منذ نشرَ الأديب السوريّ سليم البستاني، عام 1870، في عدة حلقات مسلسلة، ما لُقّب لاحقاً بأوّل روايةٍ عربية قلباً وقالباً، تحت اسم: الهيام في جنان الشام.
لكن قبل نشر رواية البستاني، كان قد ظهر اتّجاهٌ متزايد نحو ترجمة الروايات الأوروبية إلى اللغة العربية، استمرّ على مدى عقود عدّة؛ فشكّل منهلاً لمجموعة متنامية، وإن كانت متواضعة، من القرّاء. وبذلك، مهّدت حركة الترجمة الطريق لنوعٍ جديد من الأدب العربي الذي كان، حتى تلك الفترة، متحيّزاً إلى الشعر أكثر منه إلى النثر.
لو صحّ إذاً أنّ الرواية العربية قد أبصرت النور بفضل حركة التفاعل مع أوروبا، فلا عجب أن يكون هذا التواصل قد استمرّ بطرقٍ متنوّعة، لعلّ أكثرها حداثةً هو إنشاء الجائزة العالمية للرواية العربية على نسق جائزة بوكر البريطانية التي احتفلت أخيراً بالذكرى الأربعين على تأسيسها.
تُلقّب هذه الجائزة باسم "بوكر العربية"، وهي تحذو حذو "مؤسسة جائزة بوكر" التي تشارك في إدارتها، كما تحظى بالدعم الماليّ من مؤسسة الإمارات في أبو ظبي.
وكانت الجائزة الأولى قد مُنحت في العام الماضي (2008) إلى رواية "واحة الغروب"، بقلم الروائي المصري المخضرم بهاء طاهر. هذا من جهة؛ أما من جهةٍ أخرى، فيتمّ الإعداد لجائزة العام 2009، بعد أن أُعلن عن القائمة النهائية للروايات الستّ المرشّحة لنيل الجائزة، في لندن، في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2008.
بعد فترةٍ طويلةٍ انغمستُ فيها في العوالم "التخييلية" لنخبة من الروايات العربية بلغ عددها 121 روايةً ، كتبها، في مرحلةٍ ما من الأشهر الاثني عشر المنصرمة، مجموعةٌ من الروائيين المنتمين إلى منطقة جغرافية تمتدّ من المغرب غرباً إلى العراق وشبه الجزيرة العربية شرقاً، لم يكن من المستغرب، كوني أحد المحكّمين الخمسة الذين طالعوا الترشيحات واختاروا قائمة الروايات النهائية، التي سيليها إعلان الفائز في آذار/ مارس المقبل – لم يكن من المستغرب أن أجد نفسي متأملا في حال الرواية العربية المعاصرة.
في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ خير منظورٍ يخوّل المرء تكوين فكرةٍ عن الموضوع ليس على الأرجح إلا جائزة بوكر العربية نفسها، التي أثبتت فيما ما يبدو، جدارتها في هذا المجال فور تأسيسها، لا بل أكّدت على أنّها المقياس المعتمد الأساسيّ، إن لم نقل الوحيد، في ساحة الرواية العربية.
لا يخفى على أحدٍ أنّ العدد الغزير الذي تلقته هيئة التحكيم من خيرة الروايات العربية، وهو حصاد سنةٍ واحدة ليس إلا، ناهيك عن المشقة التي تكبّدناها عند تقليص هذه الكومة الضخمة إلى قائمة أولية من ست عشرة رواية، ومن ثمّ قائمة نهائية من ستّ روايات وحسب – كلّ هذا تأكيدٌ واضح وصريح على الرغد الموضوعي والفني الذي تنعم به الرواية العربية اليوم، إذ ينطوي المحصول الروائي المذكور على مجموعةٍ مذهلة من الأساليب الفنية المتنوّعة التي يلجأ إليها المؤلّفون لمناقشة أخطر القضايا وأبرزها في حياة العرب اليوم. فتراهم يستخدمون البنى والاستعارات التي تتجاوز الخاصّ إلى العامّ، وتعكس في نهاية المطاف الحال البشرية، كما يفعل كلّ أثرٍ فنيّ عظيم.
رغم ذلك، لا أملك إلا أن أتأسّف على حال الروائيين العرب. فهم أشبه بالجندي المجهول، بحارث في البحر، أو بصوت صارخ في البريّة. فالروائيون العرب يكتبون، في أغلب الأحيان، لقرّاءٍ غير موجودين، كما يهلّلون لتقدير نقّاد معدومين ومراجعات أدبية لا أثر لها.
في الواقع، "يتفاخر" معظم الناشرين إذا بلغت مبيعاتهم ألف نسخة من كتابٍ بعينه. لا بل حتى الأديب العظيم نجيب محفوظ نفسه، الذي فارق الحياة قبل سنتين، لم يكن يطبع ناشروه أكثر من 10 آلاف نسخة عن الكتاب الواحد عادةً. 10 آلاف نسخة من أجل شعوبٍ ناطقة بالعربية، يبلغ عددها حوالى الثلاثمائة مليون. من هنا، لا شكّ في أنّ الأغلبية الساحقة من تلك الروايات المئة والإحدى والعشرين التي نُشرت على امتداد العام الماضي إنما وُلدت ميتةً، من دون أن تُمنح حتى شهادة ميلاد ولو على شاكلة مراجعة نقدية يتيمة. لكأنّ الروائيين العرب يكتبون من أجل أسرهم وأصدقائهم لا غير، هذا في حال تفضّل هؤلاء وأولئك بقرائتهم في المقام الأول. لكأنّهم يكتبون رغماً عنهم، لا لشيء إلا استجابةً لحافز الإبداع الذي لا مجال لكتمانه، ودونما أملٍ بنيل تعويض أو مكافأة، ماديّاً كان أو معنويّاً. فما من كاتبٍ عربيّ، مهما ذاع صيته أو انتشر اسمه، بقادر على كسب مورد رزقه من عائد بيع كتبه ليس إلا. فحتى نجيب محفوظ نفسه كان مضطراً لشغل وظيفةٍ في القطاع الحكومي كي يعيل أسرته، وقد استمرّ يعمل حتى سنّ التقاعد الإلزامي.
من هذا المنطلق، يمكن القول، بما لا يدع مجالاً للشكّ، إنّ الكتّاب العرب يستحقون معاملةً أفضل من ذلك، سواءٌ من قرّائهم الناطقين بالعربية أم من الجمهور في مختلف أنحاء العالم الذي لا يقرأ إلا ترجماتهم. كما إنّهم لا يستحقون منا المعاملة الحسنة من باب الإحسان، بل لأنّ مطالعة مؤلّفاتهم مدعاةٌ للبهجة والعظة.
وعلى وجه التحديد، وبالنظر إلى العلاقات المشحونة بين الشرق والغرب، فضلاً عن سوء التفاهم ومشاعر التعصّب والعدائية التي سادت في السنوات الأخيرة، فما من وسيلةٍ تفضُل الرواية العربية، التي تنتشر انتشاراً واسعاً بفضل الترجمات المتقنة، للتشديد على مفاهيم الإنسانية المطلقة والتآلف مع الآخر.
ولعل المفارقة التي ألمع إليها نجيب محفوظ ذات مرة تنفعنا في هذا المجال، إذ حكى كيف أنه في شبابه، وخلال أوج نضال المصريين ضدّ الاحتلال البريطاني، كان ينفّس عن كرهه للانكليز عبر المشاركة في المظاهرات ضدهم نهاراً، بينما يجلس في مكتبه ليلاً ليقرأ بشغف وتقدير أعمال مفكّريهم وروائييهم. ذاك هو سحر الترجمات. فمن شأن تعريف الغرب، على نطاقٍ واسع، بالروح الإنسانية للثقافة العربية، كما يعبّر عنها الروائيون المعاصرون على سبيل المثال، أن يساهم مساهمةً عظيمة في تبديد الصور المرعبة التي تعرضها وسائل الإعلام، في محاولةٍ منها للتركيز على المشاهد الدامية والبغيضة.
لقد شهد العقدان الأخيران، وبالتحديد منذ نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988، زيادةً مطّردة في عدد الروايات العربية المترجمة إلى الانكليزية. كما بدأت دور النشر الغربية الكبرى تُقبل، أكثر فأكثر، على نشر هذه الترجمات التي كانت، في ما مضى، حكراً على الأوساط الأكاديمية والناشرين الاختصاصيين ضمن نطاقٍ ضيّق. وليس هذا فحسب، لا بل إنّ بعض الروايات العربية قد شقّت طريقها إلى لوائح الكتب المعتمدة لدى أندية الكتاب واسعة الانتشار. كلّ هذا يبشّر بالخير، ولسوف يتحسّن الوضع بفضل التأثير المرتقب من جائزة بوكر العربية التي تُعلَّق عليها آمالٌ كبيرة. فمن المرجو أن تؤثّر هذه الجائزة في الرواية العربية وكتّابها وناشريها، كما تؤثّر جائزة بوكر الأجنبية في الرواية المكتوبة باللغة الانكليزية: أي أن تنشرها على نطاقٍ واسع في أوساط القرّاء باللغة العربية وبلغاتٍ أخرى.
لكن فلنتحرَّ الصدق مع أنفسنا: فجائزة بوكر العربية تواجه تحدياً عسيراً ما صادفته نظيرتها البريطانية قبلاً قط.
* رشيد العناني أستاذ كرسي الأدب العربي الحديث في جامعة إكستر، وعضو لجنة التحكيم لجائزة بوكر العالمية للرواية العربية لعام 2009.